السيد محمد باقر الصدر
79
فلسفتنا ( تراث الشهيد الصدر ج 1 )
وصرنا نتصوّره ونفكّر فيه ؟ وقد كان ( دافيد هيوم ) - أحد رجال المبدأ الحسّي - أدقّ من غيره في تطبيق النظرية الحسّية ، فقد عرف أنّ العلّية بمعناها الدقيق لا يمكن أن تُدرك بالحسّ ، فأنكر مبدأ العلّية ، وأرجعها إلى عادة تداعي المعاني قائلًا : إنّي أرى كرة البلياردو تتحرّك فتصادف كرة أخرى فتتحرّك هذه ، وليس في حركة الأولى ما يظهرني على ضرورة تحرّك الثانية ، والحسّ الباطني يدلّني على أنّ حركة الأعضاء في تعقّب أمر الإرادة ، ولكنّي لا أدرك به إدراكاً مباشراً علاقة ضرورية بين الحركة والأمر . ولكنّ الواقع : أنّ إنكار مبدأ العلّية لا يخفّف من المشكلة التي تواجه النظرية الحسّية شيئاً ؛ فإنّ إنكار هذا المبدأ كحقيقة موضوعية يعني : أنّنا لم نصدّق بالعلّية كقانون من قوانين الواقع الموضوعي ، ولم نستطع أن نعرف ما إذا كانت الظواهر ترتبط بعلاقات ضرورية تجعل بعضها ينبثق عن بعض ، ولكن مبدأ العلّية كفكرة تصديقية شيء ، ومبدأ العلّية كفكرة تصوّرية شيء آخر ، فهب أنّا لم نصدّق بعلّية الأشياء المحسوسة بعضها لبعض ، ولم نكوّن عن مبدأ العلّية فكرة تصديقية ، فهل معنى ذلك : أنّنا لا نتصوّر مبدأ العلّية أيضاً ، وإذا كنّا لا نتصوّره فما الذي نفاه ( دافيد هيوم ) ؟ وهل ينفي الإنسان شيئاً لا يتصوّره ؟ ! فالحقيقة التي لا مجال لإنكارها هي : أنّنا نتصوّر مفهوم العلّية سواء أصدّقنا بها أم لا ، وليس تصوّر العلّية تصوّراً مركّباً من تصوّر الشيئين المتعاقبين ، فنحن حين نتصوّر علّية درجة معيّنة من الحرارة للغليان لا نعني بهذه العلّية تركيباً اصطناعياً بين فكرتي الحرارة والغليان ، بل فكرة ثالثة تقوم بينهما ، فمن أين جاءت هذه الفكرة التي لم تُدرك بالحسّ إذا لم يكن للذهن خلّاقية